lundi 22 septembre 2014

توماس بيكيتي والايديولوجيا الرأسماليّة اليوم

لم يعد لليبراليّة الاقتصاديّة، بمعناها الصّافي والاصيل، مدافعين في بلادنا. حتّى «الليبراليّين العرب» في بياناتهم الجماعيّة التي ينشرونها كلّ بضع سنوات - في محاولة منهم لاختراع ايديولوجيا - صاروا يجدون أنفسهم ملزمين باضافة «تنصّلٍ» ما من الفكر النيوليبرالي، أو تحذيرٍ من «السّوق المنفلتة من عقالها»، او اشارةً إلى دور الدّولة في تحقيق العدالة الاجتماعيّة.
هذه الحالة ليس مردّها أنّ كتابنا ومثقفينا قد تعلّموا من دروس العقود الماضية وكوارثها، ولا أنّهم قد قرّروا، اخيراً، أن يفكّروا باستقلاليّة في الشؤون التي تطاول صلب حياة النّاس ومعاشهم، وان يخرجوا بآراء اصيلة وجديدة حول اقتصادنا ومستقبلنا – معاذ الله -، بل لأنّ النيوليبراليّة والمدرسة النيوكلاسيكيّة في الاقتصاد قد أضحت في موطنهم الفكري ومرجعيّتهم الأصليّة، أي في المركز الغربي نفسه، بضاعةً كاسدة انفضّ عنها مريدوها، والبنك الدّولي نفسه لم يعد يدافع عن سياسات البنك الدولي. في هذا الاطار بالطبع، لا يختلف الليبراليّون العرب عن اترابهم الاسلاميّين وباقي التيارات الايديولوجيّة، فهؤلاء ايضاً يكتفون باستنساخ الصّيحة الرائجة في بلاد الشمال – يميناً ويساراً - بعد تزيينها ببعض الزخرفات الاسلاميّة والحديث عن قدرة الاسلام على التأقلم مع الاقتصاد الحديث. والصيحة الرائجة اليوم هي «توماس بيكيتي».
فقدت ايديولوجيا السّوق بريقها اثر الأزمة المالية العالميّة، لم يعد بامكان النخب الفكرية والمالية في الغرب أن تدافع عن مبدأ «عدم تدخّل الدّولة» في الاقتصاد، فيما الحكومات تضخّ الاف المليارات في القطاع المصرفي وتنبري لانقاذ الشركات الكبرى، وتشتريها وتسدد ديونها. وصل التخلّي عن العقيدة الليبراليّة حدّاً جعل مجلّة «الايكونوميست» تنشر، في عزّ الأزمة الماليّة وبما يشبه العناد، «مانيفستو» يعلن أنّ المطبوعة قد تأسّست، منذ أكثر من قرن، بغية الدّفاع عن مبادىء حريّة السّوق وعدم تدخّل الدولة، وانّها سوف تبقى وفيّة لخطّ مؤسّسيها – حتّى ولو خالفها الجميع.
هنا، لا مناص من التّذكير بأنّ روّاد الليبراليّة الاقتصاديّة، مثل «فون هايك» و«ميلتون فرديمان»، لم يدافعوا عن حرية السّوق من الزّاوية النفعيّة فحسب، بل إنّ النظريّة كان لها، قبل كلّ شيء، أساسٌ سياسيّ واخلاقيّ، هو الذي أعطاها قوّتها الكاسحة بين النّخب الغربيّة في الثمانينيّات وجعلها ترتقي الى مقام القناعة الايديولوجيّة. بالنسبة الى «فون هايك»، تدخّل الدولة في الاقتصاد يمثّل الخطوة الأولى نحو العبوديّة، فحريّة الفرد لا تتحقّق الا حين يكون سيّد معاشه، وما أن تبدأ الدولة بالدّخول الى المجال الاقتصادي حتى تبدأ الحريّة بالتآكل وتصير السّلطة آمرةً على الناس، تسيّرهم وتتحكّم بشؤونهم. تركت حقبة الهيمنة الليبراليّة أوساطاً عريضةً من المثقّفين الغربيّين المخالفين في حالة غربة: كينزيّون، «يسار اوروبي»، ماركسيّون متخفّون، وهؤلاء لم يملكوا، في مرحلة أفول الاشتراكيّة وفكرها، الّا التربّص بالسّياسات النيوليبراليّة والتباكي بحنين على «الثلاثين العظيمة»، أي العقود الثلاثة التي تلت الحرب العالميّة الثانية، حين لم يكن هناك من تناقض أو ضرورة للاختيار بين الانفاق الاجتماعي للدولة، من ناحية، والنموّ الاقتصادي السّريع من جهة اخرى. هذه الفئة، تحديداً، هي أكثر من رحّب بكتاب بيكيتي.
منطق رأس المال
من ميّزات كتاب بيكيتي انّه بالامكان تلخيص صفحاته الطويلة في فقرةٍ واحدة، بل في المعادلة البسيطة التي صارت مشهورة بعد نشر الكتاب: r>g (سنعود اليها بعد قليل)، وهو يقدّم ايضاً «حلولاً» واضحة وعمليّة يمكن أن تترجم الى سياسات، ما يجعله عملاً مثاليّاً من جهة التأثير والانتشار بين النخب الحاكمة. معادلة (r>g) تقول باختصار انّه، بالمعنى البنيوي وعلى المدى البعيد، فإنّ العوائد على رؤوس الأموال (r) سوف تكون أعلى باستمرار من نسبة النّموّ في الاقتصاد (g)، أي أنّ الأرباح والفوائد التي يجنيها رأس المال المتراكم تفوق وتيرة توسّع الاقتصاد.
تاريخيّاً، يشرح بيكيتي أن لا يمكن أن يزيد معدّل النموّ «الحقيقي» (أي النمو في الانتاجية، تمييزاً عن النمو الناتج من زيادة عدد السكان) عن صفر الى واحد في المئة، الّا في حالاتٍ استثنائية لا تدوم الى الأبد، ومنها فترة «الثلاثين العظيمة»، حين كانت اوروبا تتعافى من تدمير قاعدتها الرأسمالية اثر الحربين العالميتين، أو مرحلة «لحاق» دولٍ نامية بالاقتصاديات المتقدمة كما يجري في الصين وغيرها حالياً. من جهةٍ اخرى، فإنّ العائد على الأصول الرأسمالية يتراوح (منذ القرن التاسع عشر) بين الثلاثة والخمسة في المئة. هذا التفاوت تنتج منه تداعياتٌ هائلة، فهو يعني أنّ حجم رأس المال في المجتمع وعائداته المتراكمة، سوف يتوسّعان باستمرار كنسبةٍ من الدّخل القومي، وعلى حساب المكوّن الآخر للناتج المحلّي، أي المداخيل والرّواتب المتأتّية عن العمل. اليوم، تتراوح نسبة الأصول الرأسماليّة الى النّاتج القومي (أي رأس المال، العام والخاص، الذي تراكم على مرور الزّمن، مقارنة بقيمة الناتج السّنوي للعمل والارباح) بين 4 و5 في البلدان الصناعيّة - بمعنى أنّ الحجم الاجمالي لرأس المال يوازي انتاج الاقتصاد المحلي لأربع أو خمس سنوات، وهي نسبة تقلّ كثيراً عن مثيلتها قبل الحرب العالمية الأولى.
اذا ما تُرك رأس المال على غاربه، يقول بيكيتي، فإنّنا سنعود الى حالةٍ تشبه اوروبا في القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين، حين أدّى تركّز راس المال وتضخّمه الى نشوء مجتمعٍ تعتاش أقليّةٌ فيه من الفوائد على الأصول الّتي جمعها أجدادها، وتصير الوسيلة الأساس للحظي بالثروة هي عبر الميراث والمصاهرة والشراكات والعلاقات الّتي تكفل ادخالك الى صفوف هذه النخبة الرأسماليّة (أي كلبنان اليوم تماماً)، فيما العمل، بمعنى المهنة والوظيفة والانتاج الفردي، لا يمكن أن يوصلك الى الثّراء مهما كان - فالرواتب تصبح جزءاً يسيراً من مجمل الاقتصاد. يستشهد بيكيتي للتدليل على هذه النّقطة بحوارٍ شهير في رواية «الأب غوريو» لـ«بلزاك» التي تجري أحداثها في فرنسا بعد نهاية العهد النابليوني، حيث يشرح احد الشخصيّات لبطل الرّواية «راستينيان»، الطالب الطّموح، انّه مهما برع في مجاله ونجح، وترقّى في المؤسّسة القانونيّة، فهو لن ينال في حياته دخلاً يوازي ما يؤمنّه الزواج من امرأة ارستقراطيّة صاحبة ميراث. في مجتمع كهذا، يحاجج بيكيتي، لا يوجد سببٌ للالتزام بالاخلاق، او للإيمان بقيمة العمل، هذا هو المجتمع القاسي الّذي خلقته الثورة الصّناعيّة في اوروبا، والذي لم ينتهِ الّا اثر الحربين الكونيّتين، حين دمّرت أغلب الأصول الرأسماليّة في القارّة وانخفضت - بشكلٍ استثنائي - حالة انعدام المساواة التي سادت المجتمع الصناعي منذ نشوئه.
يشخّص بيكيتي رحلة الرأسمال الأوروبي ونفوذه في القرن الماضي على انها عمليّة انحدارٍ، وصلت الى قعرها في الخمسينيات، تبعها صعودٌ مستمرّ في التراكم الرأسمالي حتّى اقتربنا اليوم، مجدداً، من نسبة الرأسمال -الى- الدخل التي كانت سائدة في أواخر القرن التاسع عشر (اكثر من 6 الى واحد). اطروحة بيكيتي هي أنّ التحدي الأساس الذي يواجه أي مجتمعٍ رأسمالي يتمثّل في كبح جماح هذه العمليّة، ومنع التضخّم الرأسمالي من أكل الأجور وخلق طائفة أقلوية من الأثرياء الذين تزداد ثرواتهم باستمرار وتتعزّز مع مرور الأجيال من دون بذل أي جهد. بل إنّ كثيرين من هؤلاء عمدوا - تاريخياً - الى شراء سندات الخزينة وتحصيل العوائد الآمنة على رساميلهم عبر اقراض الدولة، بمعنى انّهم يصيرون دائنين لعموم الشعب والمجتمع الذي يقتطع جزءاً مهماً من دخله لتمويل هذه الثروات الخاصة - وهذا قد يستمرّ الى ما لا نهاية. «السندات الروسية» التي كان الأثرياء الاوروبيون يشترونها بكثرة لم تنعتق منها الدولة الروسية حتى قيام الثورة البولشيفية والغاء الديون القيصرية، امّا بريطانيا، التي موّلت حروبها ضد نابليون بالدّين، فقد ظلّت تدفع نصف ميزانيتها فوائد للمكتتبين لأكثر من قرن (بين 1813 و1913) حتّى جرى تخفيض قيمة العملة وأكل التضخّم الدين العام (ومعه ثروات الأرستقراطيين). نموذج الأرستقراطي الذي لا يعمل ويكتفي بالاعتياش من عوائد ثروته العائلية كان سائداً ومعتاداً حتى اوائل القرن العشرين، وهو نمطٌ نجده بكثرة في الثقافة الشعبية والروايات التي كتبت في تلك المرحلة؛ تحلّلت هذه الطبقة مع انهيار قيمة الأصول الرأسمالية في فترة ما بين الحربين، وهي اليوم تعود الى الواجهة. التوفيق بين المعسكرات
ينتقد توماس بيكيتي، ككثير من المهتمين بالاقتصاد السياسي، عملية فصل الاقتصاد عن باقي العلوم الاجتماعية في العقود الأخيرة، اذ صار «علم الاقتصاد» مستقلّاً الى حدّ بعيد - في منطقه ومناهجه - عن العلوم الانسانية التي نشأ في كنفها، وأضحت منهجيته حسابية واحصائية خالصة الى درجة لا تسمح بربط العوامل الاقتصادية بالمجتمع والحياة المعاشة والنقد السياسي. على الرغم من أنّ بيكيتي يدعو إلى اعادة وصل ما انقطع بين الاقتصاد وباقي فروع الاكاديميا، الّا أنّ استنتاجاته الرئيسية في الكتاب تتبع كلّها منطقاً اقتصادوياً تقليدياً، فهي تتلخّص في علاقات احصائية لاحظها بيكيتي وعزلها عبر تحليله لبياناتٍ مالية تغطّي أكثر من قرنٍ من الزمن، ثمّ بنى اطروحته عليها (امّا اضافة اقتباساتٍ من روايات بلزاك وفولتير أو محاولة تبسيط المعادلات الاقتصادية حتى يفهمها الجمهور، فهي عناصر «تجميلية» أفادت الكتاب، ولكنّها لا تغيّر منطقه).
لهذا السّبب، ومن بين كلّ الملاحظات والتشكيكات التي كتبت في خصوص عمل بيكيتي الأخير، قد يكون نقد دايفيد هارفي للكتاب أكثرها تأثيراً، فهارفي يقول إنّ بيكيتي يحاول أن يثبت لنا، عبر الملاحظة الاحصائية، اموراً مثل ارتفاع معدّل الأرباح الرأسمالية عن معدّل النمو، وغيرها من «القوانين» التي توصّل اليها، ولكنّه لا يشرح لنا، على أي مستوى، العملية الاقتصادية الفعلية التي تولّد هذه الأنماط وتشكّلها (أي، بصيغة أخرى: كيف تخلق القيمة، ولماذا هذه القوانين هي كذلك اصلاً؟). ما يقترحه بيكيتي، أي فرض ضريبة على رأس المال تؤمّن التوازن على المدى البعيد، لا يعدو كونه حلّاً حسابياً نظريّاً لمشكلة حسابية، وهو لا يتضمّن نظرة اصلاحية - أو حتى تفسيرية - لحالة المجتمع الرأسمالي وديناميات العمل والانتاج فيه.
هنا يجب توضيح أنّ بيكيتي لا يطرح مشروعاً تغييرياً، ولا هو كمواطنيه باديو ورانسيير ينظر الى ما بعد النظام الرأسمالي أو الى بناء مجتمعٍ جديد، على العكس تماماً، فإنّ مشروع بيكيتي يتمركز حول «انقاذ» النّظام الرأسمالي القائم، وتأمين استمراريته، و«تشذيب» عوامل الخلل فيه. هذه النظرة التوفيقية هي ما جعل الكتاب شعبياً في أوساط واسعة، وبين المثقفين المحافظين والكتّاب القريبين من السلطة والمؤسسة الاقتصادية (كبول كروغمان وغيره، اللذين وجدوا في بيكيتي نقداً اصلاحياً «آمناً» للنظام الرأسمالي، ينبثق من قلب الثقافة السائدة ومصالحها، ولا يسعى الى تحديها).
النّقد الليبرالي للرأسمالية ليس نزعةً جديدة، وله رموزٌ ككارل بولاني انتقدوا النظام الرأسمالي بعنف بغية انقاذه من نفسه، وبولاني - منذ الأربعينيات - حذّر كتوماس بيكيتي من ترك السّوق على غاربها، واقترح حلولاً لا تختلف في طبيعتها عن كلام بيكيتي بمعنى تحويل الدولة الى العقل الواعي الذي يعقلن الرأسمالية ويلجم تطرّفاتها. على الرغم من أن بيكيتي قد اختار عنواناً مستوحاً من كتاب ماركس عن رأس المال، الّا انّه يبذل جهده حتى يوضح للقراء أنّه لم يقرأ ماركس ولا علاقة لآرائه بالماركسية، وهو يتكلّم عن الشيوعية من ضمن خطاب الحرب الباردة، فلا يذكرها الا كنظرية سندت الأنظمة التوتاليتارية والديكتاتورية. بل إنّ بيكيتي يسعى الى افهام المهتمين بالشأن الاقتصادي أنّ الصراع بين النيوليبرالية والكينزية لا أساس له، بل هو لا يعدو أن يكون «سوء تفاهم» سببه نقص المعلومات، وأن التوفيق بين هذه المعسكرات ممكنٌ عبر رؤيا جديدة للتاريخ الاقتصادي تقوم على الاحصاءات والسجلات التي اعتمدها بيكيتي.
مستقبل أوروبا وماضيها المكتوم
كلّ نصائح بيكيتي مفصّلة على قياس اوروبا (الغربية)، هموم الكتاب أوروبية، وحين يقترح ضريبةً على رأس المال، فهو يعترف بأنها غير قابلة للتطبيق حاليّاً الا ضمن المنظومة الأوروبية، ثمّ يفرد جزءاً طويلاً من الكتاب لتفصيل مقترحه وكيفية تطبيقه على مستوى الاتحاد. الوعد الذي يروّج له بيكيتي هو أنّ حالة التشاؤم والقنوط وشعور «الانحدار» الذي تعاني منه اوروبا، بعد أن ذهبت أيام الازدهار الاقتصادي والنمو السريع، يمكن الخروج منه عبر مجموعة من الاجراءات الضريبية. ولكنّ بيكيتي يتجاهل عاملين أساسيّين: أوّلاً، أنّ الانحدار الاقتصادي في اوروبا لا علاقة له، الى حدّ بعيد، بنمط الادارة الداخلي وثانياً، أنّ خلق تغييرٍ جذري في النظام الاوروبي من خلال نخبه التي صعدت اثر نهاية الحرب العالمية الثانية، أو حتى تأمين استمرارية النظام القائم، قد يكون - لأسباب تاريخية وموضوعية - هدفاً مستحيلاً. يعترف بيكيتي بأنّ أحد الأسباب الأساسية للتراجع الاقتصادي الأوروبي يتعلّق بحالة اللامساواة على الصعيد العالمي وتطوّرها، بمعنى أنّ اوروبا الغربية دخلت القرن العشرين وهي تسيطر على نسبةٍ ضخمة من الانتاج العالمي والاصول المالية والصناعية، وهي حالة لم يكن بالامكان الحفاظ عليها من دون الاستعمار المباشر، وهذه النسبة تتدنى باضطراد، مقلّصة المسافة بين دخل المواطن الاوروبي ونظيره الآسيوي، مثلاً، فيما بلدان العالم الثالث تتقدّم اقتصادياً وتلغي تدريجياً الامتيازات التاريخية التي راكمتها الدول المتقدمة.
يشرح بيكيتي هذه الدينامية في بداية الكتاب، ولكنّه يمرّ عليها بعجالة في فصلٍ قصير، يرتكب فيه عملية «غشٍّ» فاضحة: في تبيانه لانخفاض حصّة اوروبا من الدخل العالمي (وهو يستعمل في هذه المقارنات الدخل الفردي مقياساً) قرّر أن يجمع اوروبا الغربية مع اوروبا الشرقية كاقليمٍ واحد، واميركا الشمالية مع اميركا الجنوبية، خلال مقارنتهما ببلاد الجنوب، ما قلّل بشكلٍ كبير من وتيرة الانحدار الفعلية لدى دول الشمال - وهذا التقسيم الجغرافي البحت لا تبرير منطقياً له، ولا يمكن أن يستعمل في أي دراسة جيوسياسية. الّا أن بيكيتي يعود، بعد فصولٍ، ويورد الحصة الفعلية لأوروبا الغربية واليابان وشمال اميركا من الدخل العالمي: 57% من الناتج الكوني يذهب الى اقل من عُشر سكّان العالم، وهي نسبة لا يمكن أن تستمرّ ضمن أيّ منطقٍ اقتصادي، ناهيك عن تحقيق النموّ والتوسّع.
يقول بيكيتي مواربة، إنّ التأقلم مع هذه الوضعية الجديدة تشكّل التحدّي الرئيس أمام أوروبا اليوم. حتى نوضح الفارق بين الأمس القريب والحاضر، يكفي أن نذكّر بأنّه، عشية الحرب الكونية الأولى عام 1913، كانت اوروبا تمتلك ثلث الى نصف كلّ الأصول الرأسمالية في آسيا وافريقيا، وثلاثة أرباع الرأسمال الصناعي فيها (بحسب كتاب بيكيتي). عالم التفوّق الأوروبي هذا ينتهي شيئاً فشيئاً، اذ لم يعد هناك من مبرّر حتى يكون راتب المهندس الفرنسي ستة أضعاف نظيره الصيني، والاحتكارات التكنولوجية التي كانت الشركات الاوروبية تعتمد عليها لتحقيق الأرباح - من دون منافسة تقريباً - تكاد تذوي. لم يعد هناك الا مجالات محدودة تنفرد فيها الصناعات الغربية، محركات الطائرات مثلاً وبعض أجزاء صناعة الطاقة والآلات المتقدّمة. لهذه الأسباب، فإنّ اوروبا لن تعاني من جمودٍ في النمو فحسب، بل إنّ الامتياز الاقتصادي للمواطن الأوروبي نسبة الى باقي العالم سوف ينخفض تدريجياً مع تقارب المداخيل وصعود دول آسيا واميركا الجنوبية.
المشكلة الثانية في تحليل بيكيتي هي أنّ «التاريخ الاقتصادي» الذي يبني عليه سرديته يخفي تماماً التاريخ الحقيقي لنشوء المؤسسات السياسية التي تحكم اوروبا اليوم. مكمن الاحباط الاوروبي لا يقتصر على التطوّر الطبيعي لرأس المال، كما يوحي بيكيتي، بل مؤسسة سياسية أنشئت في اطارٍ معيّن ولغرضٍ محدّد، وهي قد تكون استنفدت رصيدها ولم تعد صالحة لادارة مجتمعات اوروبا الغربية في الاطار التاريخي الحالي.
بيكيتي، كأكاديمي يطرح حلولاً على صانعي السياسة، مجبرٌ بالالتزام بقدرٍ من التفاؤل، وهو لن يتمكّن من تحليل النّظام الأوروبي من منطلق انّه ديمقراطية ليبرالية في طور الانهيار والتحول باتّجاه الفاشيّة، مثلاً، ولكنّنا نحن نقدر على ذلك ولا مانع لدينا. المدرسة المؤسسية، عبر باحثين مثل اسبنغ-اندرسن وجون زايسمان وغيرهما، تشرح كيف قامت الحكومات في فرنسا والمانيا وايطاليا اثر الحرب العالمية الثانية كي تدير عملية اعادة الاعمار تحت الرعاية الأميركية. الحرب العالمية نزعت الشرعية عن كلّ القوى السياسية التي كان لها وجودٌ تاريخي وشعبية في هذه الدّول قبل الحرب، فصار اليمين الفرنسي التقليدي مذموماً بعد تعاونه مع النازيين، فيما اميركا تصرّ على منع الحزب الشيوعي من الوصول الى السلطة في أيّ مكانٍ باوروبا الغربية. النتيجة كانت تعيين «واجهات» سياسية جديدة، مثل ديغول وادناور، لم يكن لهم أحزاب وشعبية ليتولّوا الحكم رسمياً - بالاعتماد على جهاز الدولة القائم.
يشرح نورمان فينكلستين كيف أنّ الرّوس تشددوا في مجال اجتثاث النازية، فعُزل وحوكم وعوقب كلّ من كانت له علاقة بالحزب النازي في شرق اوروبا، بينما في الشطر الغربي تمّ التخلّص من القيادات وبقي مدراء الدولة والاقتصاد في مكانهم. حكم المانيا الغربية بعد الحرب زعماء النقابات نفسهم، مدراء الشركات نفسهم، وقادة البيروقراطية الذين أداروا المانيا النازية. وفي فرنسا لم يكن الوضع مختلفاً، فقد أفسح الفراغ السياسي المجال للبيروقراطية المكرّسة لتصير هي الحاكمة الفعلية في باريس. خرّيجو المدارس الفرنسية العليا (أي الكليات النخبوية) هم من صمموا الاقتصاد الفرنسي بعد الحرب، وهم من بنوا مدن فرنسا الكبرى، واعادوا الاعمار.
هذه الحكومات، والأحزاب الوسطية التي انبثقت عنها، ترأست فترة النموّ المتصاعد في الخمسينيات والستينيات وبناء دولة الرعاية. توماس بيكيتي ينتمي تحديداً الى هذه النّخبة: هو من خرّيجي هذه المدارس الكبرى، وهو يكتب لأناسٍ مثله، تدرّبوا منذ أيّام الجامعة كي يصيروا الكوادر الكبرى في الدولة والشركات، وأُقنعوا، منذ الصغر، بأنّهم الأذكياء واللامعين والأوصياء على المجتمع، وهو يريد أن يطمئنهم الى أنّ نظامهم له مستقبل واستمرارية، اذا ما «عدّلوا» بعض السياسات.
خاتمة
هل النّظام الحالي قابلٌ للإنقاذ؟ هنا السؤال الحقيقي. في أحد مقالاته عن السياسة الإسرائيلية، يصف الباحث الراحل إسرائيل شاحاك الطبقة الوسطى بأنّها الطبقة التي تخاف من كلّ شيء: تخاف من الأثرياء، تخاف من المعدمين، تخاف من الأجانب، وتخاف من الدول المنافسة. هي الطبقة المهووسة، على الدوام، بخطر الانحدار وخسارة مكتسباتها، بينما تجهد للالتحاق بالطبقة العليا. اوروبا اليوم هي «طبقة وسطى» على مستوى العالم، يحرّكها الخوف وهمّ الحفاظ على ما هو موجود، والطواقم الحاكمة، التي نجحت في زمن النمو والتوسّع الاقتصادي، لا تناسب عهد الانحدار.
انظروا اليهم، راقبوا قادة اوروبا اليوم الذين يمثلون «المؤسسة»: هل من انسانٍ فيه عقل يمكن أن يعتبر شخصاً كفرانسوا هولاند أو ساركوزي أو رويال، زعيماً يُقتدى وصاحب كاريزما؟ هؤلاء لا تعرف ان كانوا رؤساء أو موظفي بنك. في المقابل، الأحزاب اليمينية هي التي تتحرّر من ارث ماضيها الفاشي، وتلهب الخيال الشعبي من جديد، وتركّز على عناصر تمسّ الأوروبيين البيض وتؤثّر فيهم، وتعطيهم سردية متكاملة لتفسير مأزقهم الحالي: العداء للمهاجرين، لوم الأوربة والعولمة، الحمائية تجاه الهوية الوطنية، الخ...
اختفت المرتكزات الايديولوجية لدولة الرعاية في الستينيات، وصارت «التعددية الثقافية» - التي أمّنت اطاراً لاستقبال المهاجرين وانفتاح المجتمع على نفسه وعلى الآخر - سبّةً ومادّة للسخرية. وقد سبق هذه التحوّلات السياسية انقلابٌ في الثقافة السائدة، حتى أضحى أغلب من يعيش في اوروبا (ولو كانوا من أصولٍ أجنبية) يعترف، من غير نقاش، بـ»المشاكل» التي يسببها المهاجرون، والعبء الذي يشكلونه على الاقتصاد، ويشتكون من سلوكهم و«رفضهم» الاندماج، أي كلّ لازمات اليمين العنصري، ومن دون ايّة أرقام أو احصاءات أو دلائل حقيقية تتجاوز الملاحظة الفردية، فهذه النظرة الاحتقارية أضحت ثقافة يروّج لها التلفزيون والاعلام، وقلّما تجد مقاومة في المجتمع.
يخطىء بعض العرب حين يغالون في توصيف التظاهرات المعادية لاجراءات التقشّف في اسبانيا واليونان وغيرها كـ«هبّة شعبية يسارية»، بينما هي في العمق لا تعدو أن تكون مطالبةً شبه برجوازية بابقاء الامتيازات القائمة للأوروبيين على عدم معقوليتها ومنطقيتها، ولم يتنبه المراقبون إلى أن الكثير من هؤلاء المتظاهرين هم ممن صوّتوا، بعد الاحتجاجات، لأحزاب اليمين المتطرّف ووجدوا في خطابه صدىً لقلقهم. لا يكفي أن يسير الناس ضدّ حكوماتهم حتى تصير قضيتهم عادلة وتقدمية. البعض يعوّل على يسار اوروبي غير واضح المعالم ولا يملك ايديولوجيا أو تنظيماً، والبعض الآخر كبيكيتي يراهن على انقاذ النظام القائم، ولكن مستقبل اوروبا هو لليمين، وهذه فرضية لا تدعمها أرقام الانتخابات فحسب، بل واقع أنّ هذه الأحزاب هي التي تملك التنظيم والرؤيا والكاريزما: اوروبا الغد سوف تعود إلى ماضيها.
عامر محسن  (من أسرة «الأخبار»)
 
رأي
العدد ٢٣٩٨ الجمعة ١٩ أيلول ٢٠١٤
http://www.al-akhbar.com/node/215917

samedi 23 août 2014

De l'utopie numérique au choc social

Dans la "salle de bains connectée", la brosse à dents interactive lancée cette année par la société 'Oral-B' (filiale du groupe Procter & Gamble') tient assurément la vedette : elle interagit - sans fil - avec notre téléphone portable tandis que, sur l'écran, une application traque seconde par seconde la progression du brossage et indique les recoins de notre cavité buccale qui mériteraient davantage d'attention. Avons-nous brossé avec suffisamment de vigueur, passé le fil dentaire, gratté la langue, rincé le tout ?
Mais il y a mieux. Comme l'affiche fièrement le site qui lui est consacré (http://connectedtoothbrush.com), cette brosse à dents connectée "convertit les activités de brossage en un ensemble de données que vous pouvez afficher sous forme de graphiques ou partager avec des professionnels du secteur". Ce qu'il adviendra par la suite de ces données fait encore débat : en conserverons-nous l'usage exclusif ? Seront-elles captées par des dentistes professionnels ou vendues à des compagnies d'assurances ? Rejoindront-elles le flux des informations déjà enregistrées par Facebook et Google ?
La prise de conscience soudaine que les données personnelles enregistrées par le plus banal des appareils ménagers - de la brosse à dents aux toilettes "intelligentes" en passant par le réfrigérateur - pouvaient se transformer en or a soulevé une certaine réprobation vis-à-vis de la logique promue par les mastodontes de la Silicon Valley.
Ces entreprises collectent à grande échelle les traces laissées par les internautes sur les sites qu'ils fréquentent, les utilisent pour leur propre compte et les revendent aux annonceurs ou à d'autres sociétés. Elles engrangent ainsi des milliards de dollars, tandis que les utilisateurs - nous - accèdent simplement à quelques services gratuits. Face à ce constat émerge une critique bizarre, aux connotations populistes : contestons ces monopoles, clame-t-elle, et remplaçons-les par une multitude de petits entrepreneurs. Chacun de nous pourrait constituer son propre portefeuille de données et tirer bénéfice de leur commerce en vendant, par exemple, ses données de brossage à un fabricant de dentifrice, son génome à un laboratoire pharmaceutique, ou en révélant sa géolocalisation en échange d'une ristourne au restaurant du coin.
Des voix influentes, comme celles de l'essayiste et chef d'entreprise Jaron LANIER ou du chercheur en informatique Alex "Sandy" PENTLAND, célèbrent ce nouveau modèle.
Ces voix nous promettent un monde où la protection de la vie privée serait assurée :si l'on considère les données comme une propriété privée, alors un solide arsenal juridique et des technologies adéquates pourraient garantir qu'aucun tiers ne les pille. Mais elles nous font aussi miroiter un avenir de prospérité. Par quel miracle ? Celui de l' "Internet des objets", c'est-à-dire la prolifération d'appareils grâce auxquels nos moindres faits et gestes seront recensés, analysés et... monétisés. Quelque part, quelqu'un est disposé à payer pour savoir ce que nous chantons sous la douche. S'il ne s'est pas encore manifesté, c'est simplement parce qu'aucun capteur sonore connecté à Internet n'équipe notre salle de bains.
Les enjeux sont clairs. Si Google truffe notre maison de jolis capteurs intelligents fabriqués par sa filiale Nest, c'est Google, et pas nous, qui gagnera de l'argent lorsque nous chantonnerons . La stratégie du géant consiste à agréger des données provenant dune multitude de sources (voiture sans conducteur, lunettes connectées, courrier électronique) et à faire prendre l'efficacité du système de son ubiquité : pour en tirer le meilleur parti, nous devrions laisser ses services empiler, tel un gaz, les moindres recoins de notre quotidien. L'immensité du réservoir de données ainsi constitué le protège de toute concurrence, et les entreprises de moindre envergure l'ont bien compris. Dès lors, il ne leur reste qu'une option : répondre à l'appel de Pentland et de Lanier, et contrecarrer Google en exigeant que les données appartiennent par défaut aux utilisateurs, ou que ces derniers touchent au moins une  part des bénéfices.
Tandis que les Etats s'efforcent de gagner du temps par le haut, les start-up de la Silicon Valley, elles, proposent des solutions pour gagner du temps par le bas. Elles placent ainsi une foi inébranlable dans des services comme Uber (des particuliers convertissent leur voiture en taxi) et Airbnb (et leur appartement en hôtel), censés transformer des biens analogiques ringards en source de profits numériques et branchés. Objectif : assurer un complément de revenus à leur propriétaire. Comme l'explique M. Brian Chesky, le président-directeur général d'Airbnb, "le chômage et les inégalités sont au plus haut, mais nous sommes assis sur une mine d'or (...). Nous avons appris à créer nos propres contenus, mais nous pouvons désormais tous créer nos propres contenus, mais nous pouvons désormais tous créer notre propre emploi et, pourquoi pas, notre propre secteur d'activité".
Fidèle à son habitude, la Silicon Valley débobine ici la rhétorique communautaire de la contre-culture pour présenter Uber ou Airbnb comme les piliers de la nouvelle "économie de partage", horizon utopique rêvé par les anarchistes autant que par les libertariens, où désormais les individus traiteraient directement les uns avec les autres en court-circuitant les intermédiaires. Plus prosaïquement, il s'agit de remplacer des intermédiaires analogiques, comme des sociétés de taxis, par des intermédiaires numériques, comme Uber, entreprise financée par les anarchistes notoires de Goldman Sachs.
Les défenseurs de ce nouveau modèle justifient une telle précarité par des arguments dignes du théoricien libéral Friedrich Hayek. Les mécanismes autorégulateurs (c'est le marché qui atteste la qualité du chauffeur ou de l'hôte) étant plus efficaces que les lois, autant se débarrasser de lois. "Lorsque nous aurons construit des systèmes véritablement autocorrecteurs, assure le célèbre investisseur en capital-risque Fred Wilson, nous n'aurons plus besoin de régulateurs". Il suffit pour cela de saturer la société de boucles de rétroaction, c'est-à-dire d'évaluations qualitatives fournies en continu par les acteurs du marché : les avis et les commentaires des utilisateurs.
La numérisation de la vie quotidienne combinée à l'avidité déchaînée par la financiarisation laisse présager la transformation de toute chose - notre génome comme notre chambre à coucher - en bien productif. Pionnière de la "génomique personnalisée", Mme Esther Dyson, actionnaire principale de la société 23andMe, compare sa société à un "distributeur automatique qui vous donne accès aux richesses enfouies dans vos gènes". Voilà donc l'avenir que nous promet la Silicon Valley : un nombre suffisant de capteurs connectés à Internet changera nos vies en distributeurs géants de billets.
Tôt ou tard, on percevra les réfractaires au salut par "l'économie de partage" comme des saboteurs de l'économie, et la rétention de données comme un gaspillage injustifiable de ressources susceptibles de contribuer à la croissance. Ne pas "partager" sera aussi honteux que de refuser de travailler, d'économiser ou de rembourser ses dettes, la morale recouvrant là encore d'un vernis de légitimité une forme d'exploitation.
Il n'est guère surprenant que les catégories sociales écrasées par le fardeau de l'austérité commencent à convertir leur cuisine en restaurant, leur voiture en taxi et leurs données personnelles en actif financier. Que peuvent-elles faire d'autre? Pour la Silicon Valley, nous assistons là au triomphe de l'esprit d'entreprise, grâce au développement spontané d'une technologie détachée de tout contexte historique, et notamment de la crise financière. En réalité, ce désir d'entreprendre est aussi joyeux que celui des désespérés du monde entier qui, pour payer leur loyer, en viennent à se prostituer ou à vendre des organes. Les Etats tentent parfois d'endiguer ces dérives, mais il leur faut équilibrer le budget. Alors, autant laisser Uber et Airbnb exploiter la "mine d'or" comme bon leur semble. Cette attitude conciliante présente le double avantage d'augmenter les rentrées fiscales et d'aider les citoyens ordinaires à boucler leurs fins de mois.
Evgeny Morozov
"De l'utopie numérique au choc social"
Le Monde Diplomatique
Août 2014, p. 12

lundi 28 juillet 2014

Jean-Luc Mélenchon : Le temps du blues

Un moment de doute ou de fatigue, un ras-le-bol de plus... Comme Mélenchon cette semaine, la tentation du retrait peut aussi toucher les politiques. Certain(e)s l'ont fait, sans regrets.

EDITORIAL ---- ALEXANDRA SCHWARTZBROD
Solitude
En cette période d'actualité tragiquement chargée, le soudain coup de blues de Jean-Luc Mélenchon peut paraître anecdotique, voire surinterprété (après tout, cet homme a peut-être simplement besoin de vacances). Sauf qu'il fait écho à d'autres burn out, comme on dit aujourd'hui (on se souvient de Dominique Voynet balançant dans ces colonnes ce qu'elle avait sur le cœur avant de jeter l'éponge à Montreuil), et qu'il en dit beaucoup sur un monde qui fascine autant qu'il révulse. Ce monde est brutal, on le sait, il faut une constitution de fer mêlée à un mental d'acier pour y résister. Et il arrive que même les plus aguerris craquent ce qui, au fond, est plutôt une bonne chose. La femme ou l'homme politique ne serait donc pas cette machine animée par le seul goût du pouvoir, le ou la voilà soudain humanisé(e) ce qui, en ces temps de décrédibilisation et de démonétisation de la parole politique, redonne un peu d'espoir. Accessoirement, ces coups de blues arrivent rarement à des individus au faîte de leur gloire, ils sont la traduction d'un échec parfois, d'une désillusion souvent, d'une solitude clairement, ils en disent donc long sur la personne concernée, a fortiori sur son parti. "La dépression est une quintessence de la solitude dans ce qu'elle a de plus cruel", a écrit un jour le romancier Tahar Ben Jelloun.
ANALYSE ---- JONATHAN BOUCHET-PETERSEN
Halte las !
Usés par des batailles dans un univers médiatique toujours plus violent, certains élus décrochent subitement, écornant le mythe français du politique insubmersible.
Entre les clash, les claques et les couacs, être une femme ou un homme politique n'a souvent rien d'une sinécure. Défiance de plus en plus aiguë de la part des citoyens, sentiment d'impuissance (partagé par les Français) à changer, non pas la vie, mais au moins le quotidien, accélération du rythme médiatique jusqu'au tournis généralisé... Tout cela alimente, sur fond de crise idéologique majeure où les haines personnelles prennent de plus en plus le pas sur les orientations politiques, une forme de désespérance collective chez les politiques les plus lucides. Et quelques burn out. L'homo politicus est fatigué. Et l'adage selon lequel celui-ci ne meurt jamais, se relève de tout, repart encore et encore au combat électoral auréolé de ses traversées du désert ou des scalps de ses adversaires, a (un peu) vécu.
Certains ont besoin de faire une pause, d'autres disent carrément stop et suscitent alors la sidération. Dans la première catégorie, Jean-Luc Mélenchon, homme de tempérament autant que de convictions, a fait savoir cette semaine qu'il souhaitait prendre du recul, ralentir, s'extraire de la nasse. Constatant l'échec du Front de gauche depuis la présidentielle de 2012 mais, surtout, tirant les conséquences de sa nausée à l'égard du monde politique.
Un coup de cafard dont la gestation a été publique sur le blog de l'ex-candidat à la présidentielle, personnage à fleur de peau, politique surinvesti. Qui revendique de parler avec ses tripes et qui ne s'embrasse pas de fausse pudeur pour mettre parfois ses failles sur la table. Comme un cri, mais aussi comme un objet de débat.
Le mal est profond. Et ce type d'aveu, assez rare. Aveu de faiblesse à l'aune des codes d'une vie politique française où les carrières se mènent au long cours, sur plusieurs décennies, avec la croyance de tournoyer sur un manège dont il ne faut descendre sous aucun prétexte, sauf à risquer d'y perdre définitivement sa place? Ou aveu d'humanité, d'abord, de la part de responsables publics largement tombés de leur piédestal et pris dans une spirale institutionnelle et médiatique au rythme infernal.
Il y a maintenant quelques décennies, François Mitterrand a été un président malade du cancer des années durant. Aujourd'hui Jean-Louis Borloo n'hésite pas à lâcher tous ses mandats pour se soigner après une forte pneumonie. Plus ou moins durablement - et sincèrement parfois -, certains affirment décrocher par lassitude, d'autrespar blessure égotique ("puisque vous ne voulez pas de moi..."), mais d'une manière générale, tous sont usés par les mœurs du milieu, les désillusions et les couleuvres avalées.
Dans un autre registre, Carla Bruni-Sarkozy s'était émue au printemps 2012 du surmenage guettant son mari : "Il a un sens du devoir, Nicolas, inimaginable. Il n'arrête jamais. Il travaille tout le temps, il travaille vingt heures par jour. J'ai peur... heu... qu'il meure !" Mais quand "Nicolas" a dit qu'il quittait la vie politique après sa défaite en 2012, l'affirmation avait tout du serment d'ivrogne - l'intéressé étant le premier à reconnaître sa profonde addiction. L'hospitalisation de François Bayrou à l'hiver 2010 pour "surmenage" n'a en rien entravé sa vocation présidentielle. Jospin, Villiers et Léotard, ou plus récemment Voynet et Cohn-Bendit, ont, eux, bel et bien raccroché. Comme en son temps Dominique Baudis, décédé cette année. Certains sont même passés à tout autre chose, tels Eric Besson ou l'animatrice télé Roselyne Bachelot.
Sans tout envoyer valser, même Christiane Taubira et Cécile Duflot, deux guerrières de la politique, ont fait part de leur spleen. Sur Canal +, la ministre de la Justice a revendiqué à raison le "droit d'avoir des coups de blues", elle qui, depuis plus de deux ans, est la cible privilégiée de la droite dans son ensemble et de sa frange la plus réactionnaire et virulente en particulier. Certains épisodes racistes ont été d'une violence inouïe. Mais tenir envers et contre tout fait aussi partie de son combat politique. Sur Twitter, l'ex-ministre écologiste du Logement a, à un autre degré, fait part de son ras-le-bol : "Si je ne savais pas la sincérité et l'engagement de milliers de militants, la situation actuelle me dégoûterait durablement de la politique", a-t-elle écrit il y a peu après son retour à l'Assemblée. Évoquant par ailleurs le "blues de la femme politique écolo qui dans un déjeuner de presse voit les stylos se poser quand elle aborde ces sujets". Le genre de scène qui, les bons jours, donne un coup de cafard, et le reste du temps, l'envie de tout plaquer.
Libération,
N°10324,
Samedi 26 et Dimanche 27 juillet 2014, pp. 2-6

vendredi 30 mai 2014

Mes solutions aux déficits actuels(Hamadi BOUSBIA) // تأملات حول حلول ممكنة لمشكل عجز الميزانية والحدّ من النقص في الإحتياطي من العملة (حمّادي بوصبيع)

La Tunisie vit actuellement une situation difficile, pénible et susceptible d'hypothéquer pour longtemps son avenir.
L'Etat a fortement besoin d'augmenter ses moyens en dinars et de réaliser d'importantes économies en devises. S'il est important que le Gouvernement prenne de nouvelles mesures pour faire face à la dégradation économique que nous traversons, il est tout aussi important que tous les citoyens, dignes de ce nom, réagissent en acceptant de faire des sacrifices à même de sauver notre cher pays.
Dans un premier temps, et même à titre provisoire, il conviendrait de sortir des sentiers battus.
En effet, et à titre d'exemple, l'ancien gouvernement a alourdi de façon excessive la taxe sur la bière (70%), ce qui a abouti à une baisse des ventes de bouteilles de plus de 30%. Il en est de même pour les produits fortement alcoolisés : la taxe est tellement élevée qu'elle a tari la vente sur le marché officiel et développé la vente des produits importés frauduleusement.
Cette politique a fait perdre à l'Etat des montants importants de taxes.
Il faudrait recourir à de nouvelles solutions de circonstance, à savoir :
- L'instauration d'une taxe de 1 à 1,5% sur les paiements en devises (achats et ventes) pourrait rapporter plus de 1 milliard de dinars. Si on veut exonérer les exportations, partiellement ou totalement, on pourrait augmenter les taux sur les achats de devises.
- Ajouter un droit de consommation de 10% à 15% sur les communications téléphoniques ne serait pas insupportable (les boissons gazeuses sont déjà soumises à un droit de consommation de 25%) : cette taxe rapporterait plus de quatre cent millions de dinars.
- Hormis les matières premières, les biens d'équipement, les céréales, les huiles, les médicaments, etc., le Gouvernement pourrait établir une liste des produits importés non essentiels, qui ne bénéficieraient d'aucun crédit bancaire, et obliger leurs importateurs à bloquer un montant équivalent pour six mois au Trésor.
Le montant de cette liste, qui pourrait atteindre les 8 à 10 milliards de dinars, ferait diminuer les importations de 2 à 3 milliards, d'où gain de devises, et permettrait au Trésor de disposer d'un fonds de roulement de 3 à 5 milliards de dinars (50% du montant de la liste pour les six mois de blocage).
Par ailleurs, l'assainissement des banques pourrait donner lieu à la souscription d'obligations convertibles en actions : il faudrait dépasser la hantise de l'ancien régime qui avait toujours peur de l'augmentation de la participation des privés dans le capital. En effet, il croyait que celui qui détenait les pouvoirs dans une banque deviendrait incontournable en politique. Or, à mon avis, les banques privées sont plus à la merci de l'Etat que les banques publiques, eu égard aux pouvoirs énormes détenus par la Banque Centrale.
En outre, et afin d'éviter pendant une période les grèves et les arrêts de travail, pourrait être créée une Commission, présidée par Monsieur le Ministre des Affaires Sociales, qui réunirait l'U.G.T.T. et l'UTICA, laquelle Commission interviendrait et prendrait les décisions adéquates lors des conflits d'entreprise non résolus entre les patrons et les syndicats.
Cela n'empêcherait pas les autorités, avec l'aide de tout le monde (partis, syndicats et représentants de la société civile), de supprimer les subventions, sur une période de trois ou quatre ans, et d'en faire bénéficier les gens sans ressources, de revenus faibles et même moyens, sous forme de compensations directes.
Les mesures proposées pourraient éviter de prendre des décisions dans la précipitation.
Toutes ces mesures, parmi tant d'autres, pourraient contribuer à recouvrer une meilleure stabilité dans le pays, à rétablir la confiance, nationale et internationale, et à encourager tous les intervenants susceptibles de participer à un effort citoyen.
http://www.businessnews.com.tn/mes-solutions-aux-deficits-actuels,526,46799,3

تمرّ البلاد التونسيّة حاليّا بظروف صعبة وعسيرة تنبئ بفرضيّة رهن مستقبل البلاد لمدّة طويلة.
وعليه، فإنّ الدولة في أمسّ الحاجة للترفيع في إمكانيّاتها بالعملة التونسيّة وتحسين مدّخراتها من العملة الصعبة. ولئن بات مهمّا بالنسبة للحكومة اتّخاذ إجراءات جديدة وعاجلة لمجابهة الصعوبات والتدهور الإقتصادي الّذي نمرّ به فإنّه من واجب كلّ تونسي التحلّي بروح وإحساس وطنيّ أن يقبل من جهته تحمّل التضحيات من أجل إنقاذ هذا البلد العزيز علينا جميعا.
في أوّل الأمر ولو بشكل مؤقّت، لا بدّ من الخروج من الطرق المعتادة.
إذ أنّه وعلى سبيل المثال، ثقلت الحكومة الماضية وبشطط الأداءات على الجعة (70%) بما أدّى إلى انخفاض في مبيعات القوارير بأكثر من 30%. نفس الشيء بالنسبة لموادّ ذات النسبة الكحوليّة المرتفعة : الأداء ارتفع بشكل أدّى إلى تدهور المبيعات في السوق الرسميّة وتنمية المبيعات المورّدة بصفة غير قانونيّة.
هذه السياسة أفقدت الدولة مبالغ هامة متأتّية من الأداءات.
حاليّا يجب اللّجوء إلى حلول ظرفيّة جديدة منها :
- توظيف أداء من 1% إلى 1،5% على الدفوعات بالعملة الصعبة (سواء كانت تخصّ المبيعات أو المشتريات) يمكن أن يوفّر أكثر من مليلر دينار. وإن أردنا إعفاء الصادرات كلّيّا أو نسبيّا نعوّضه في الترفيع في النسبة على شراءات العملة.
- إضافة أداء على الإستهلاك تتراوح بين 10% و 15% على الإتّصالات الهاتفيّة سوف لن يكون مشطّا (علما أنّ المشروبات الغازيّة تخضع لضريبة الأداء على الإستهلاك بنسبة 25%). هذا الأداء يمكن أن يوفّر مبلغا يفوق أربعمائة مليون دينار.
- يتسنّى للحكومة تحديد قائمة حصريّة للمواد غير الأساسيّة الّتي تستثني المواد الأوّليّة والتجهيزات والحبوب والزيوت والأدوية وما شابه ذلك وإلزام المورّدين أن يستعملوا أموالهم الذّاتيّة بدون الإعتماد على قروض بنكيّة. وعلى هؤلاء أن يجمّدوا نفس المقدار في الخزينة لمدّة ستّة أشهر.
يجب الملاحظة أنّ القيمة الجمليّة لهاته القائمة الّتي يمكن أن تتراوح بين 8 و 10 مليار دينار سوف تساعد على تقليص الواردات بما قيمته بين 2 و3 مليار دينار وهذا من شأنه أن يقلّص من نزيف العماة الصعبة مع تمكين الدولة من السيولة بما يضاهي بين 3 و5 مليار دينار (50% من المقدار المجمّد لمدّة ستّة أشهر في الخزينة).
من جهة أخرى، فإنّ تطهير البنوك يمكن أن يؤدّي إلى اكتتاب رقاع قابلة للتحويل إلى أسهم : يجب تجاوز هوس النظام السابق الذي كان متخوّفا دائما من الترفيع في مساهمة الخواص في رأس المال. فقد كان يعتقد أنّ من يملك السلطة في مؤسّسة بنكية ما، سيكون من الصعب تجنّبه سياسياّ. إلاّ أنّه وحسب رأيي، فإنّ البنوك الخاصّة أكثر تبعيّة للدّولة من البنوك العامة نظرا للسلطات العريضة الّتي يمتلكها البنك المركزي.
من ناحية أخرى ولغرض تفادي الإضرابات عن العمل ولو لفترة، يمكن بعث لجنة يترأسها السيد وزير الشؤون الإجتماعية تشمل كذلك الإتحاد العام التونسي للشغل والإتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية يعهد إليها مهامّ التدخّل السريع واتّخاذ القرارات الناجعة والمناسبة عند حدوث إشكالات ونزاعات داخل المؤسّسات لا يتمّ التوصّل إلى حلول بخصوصها بين الأعراف والنقابات وهذا لتجنّب الوقوف على العمل.
كما أنّ هذا لا يمنع السلطات بمعيّة كلّ الأطراف من أحزاب ونقابات وممثّلين للمجتمع المدني من إلغاء منظومة الدعم على فترة تتراوح بين ثلاث وأربع سنوات لكي يستفيد منها ذوي الإحتياجات من أشخاص دون مورد رزق أو أصحاب الدخل الضعيف وحتّى المتوسّط في قالب تعويضات تمنح بصفة مباشرة. وهذا من شأنه أن يجنّبنا التسرّع في أخذ القرارات.
كلّ هذه الإجراءات هي من ضمن عدّة إجراءات أخرى ممكن إتّخاذها تمنح الفرصة لبثّ الإستقرار في البلاد وإعادة الثقة الداخليّة الخارجيّة وتشجيع كلّ الأطراف المتداخلة القادرة على تفعيل المجهود الوطنيّ.
محمّد بوصبيع
المغرب، العدد 845،
الخميس 29 ماي 2014، ص. 11

mardi 13 mai 2014

Pour en finir avec la Ve République



Notre constitution accorde les pleins pouvoirs à un président appuyé sur une minorité de citoyens. Il est donc urgent d’en changer et de créer les conditions d’un big bang politique et économique.

O
u bien on n’ose pas le voir.
Ou bien on n’ose pas le dire.
Quoi ? Que la Ve République est morte.
Ou, tout au moins, qu’elle se meurt. Et que ce système institutionnel, qui a été totalement détourné de son esprit originel, est devenu un tel facteur d’étouffement et d’asphyxie de notre vie publique, que c’est tant mieux. Qu’il faut l’achever. Le plus vite possible.
Résumons.
     1.    Un président de la République qui a perdu toute crédibilité, donc toute autorité. Il n’est pas haï comme Sarkozy, il n’intéresse plus.
    2.   Un Premier ministre que le président ne désirait pas et dont le taux de popularité est trois fois supérieur au sien.
    3.     Un parti dit « majoritaire » dont une large faction désapprouve, y compris  par ses votes, la politique menée par le gouvernement dont il est censé constituer la majorité.
     4.     Une majorité dite « de gauche » qui, ayant perdu l’essentiel de ses composantes de gauche, ne tient plus qu’à un fil, sauf à être sauvée par le centre-droit.
     5.     Une droite qui, en vertu de la logique bipolaire, s’oppose à tout ce que, précédemment, elle exigeait.
   6.   Une évolution des rapports de force électoraux qui signe l’arrêt de mort du bipartisme. Or, le bipartisme UMP-PS constituait le principal ressort permettant le fonctionnement de notre système institutionnel
Ces six constats vont dans le même sens : toutes les composantes de notre machinerie institutionnelle sont tombées en panne. Résultat : le véhicule est à la ramasse.
D’autant qu’à ces dysfonctionnements s’en ajoutent d’autres.
  1. Les deux partis qui représentent 80 % de la représentation nationale ne bénéficient plus du soutien que de 40 % des électeurs. Et même de moins de 20 %, si on prend en compte les abstentionnistes, les non-inscrits sur les listes électorales et ceux qui sont dépourvus du droit de vote.
  2. Le parti qui risque d’arriver en tête aux élections européennes et en deuxième position à l’élection présidentielle n’existe pas légalement, puisqu’il ne dispose d’aucune représentation officielle dans les assemblées.
Notons que le parti de Jean-Luc Mélenchon, omniprésent dans les médias, n’a lui non plus aucun député, pas plus que celui de François Bayrou, qui arrive en quatrième position dans les sondages de popularité. Le Parlement comme l’image inversée du pays, en somme.
  1. La dichotomie conflictuelle entre les deux faces du pouvoir exécutif devient ubuesque. Ainsi, le président de la République, objet d’un puissant rejet dans l’opinion, devrait, dans l’intérêt du pays et plus encore de son propre camp, prendre de la hauteur, du recul, laisser son Premier ministre exercer un pouvoir effectif. Or, pas du tout. Au contraire, il multiplie les initiatives, se fait omniprésent, rappelle, à tout bout de champ, que c’est lui qui « fixe la feuille de route », sachant bien que, ce faisant, il étouffe Manuel Valls, le décrédibilise et, à terme, sape son autorité et annihile sa passagère popularité.
Ce qui apparaît donc, déjà, c’est que Hollande cherche à détruire l’option Valls avant 2017, comme Mitterrand parvint à détruire l’option Rocard ou Pompidou l’option Chaban-Delmas.
  1. L’UMP, si on votait aujourd’hui, aurait toutes les chances de gagner les élections. Or, son leader, Jean-François Copé, est l’une des personnalités politiques les plus discréditées de France. Elle est même rejetée par une large majorité des électeurs et des sympathisants de droite.
  2. Un claquement du doigt a suffi pour dégager le patron en titre du PS, Harlem Désir, et un autre claquement de doigt pour le remplacer par un autre apparatchik, Jean-Christophe Cambadélis : sans la moindre consultation préalable des militants. Preuve que ce parti est tombé  aux mains d’une nomenklatura déconnectée de toute base dont la mission n’est pas de le faire vivre mais, au contraire, de le neutraliser.
  3. Ce qui est effarant, dès lors que la nouvelle orientation gouvernementale (à tort ou à raison) tourne totalement le dos aux engagements sur lesquels les députés socialistes ont été élus, ce n’est pas que 80 d’entre eux aient fait part de leur émotion ou trouble, c’est que 200 n’aient pas bronché, comme s’ils étaient devenus de simples pions que l’exécutif peut déplacer à sa guise. Logique institutionnelle oblige.
Et cela bien qu’en privé les petits soldats disciplinés déversent leur fiel sur la présidence de la République avec d’autant plus de hargne qu’ils s’autobâillonnent en public.
  1. Jamais, sans doute, dans l’histoire de la République, les deux grandes formations politiques censées représenter la droite et la gauche dite « de gouvernement » n’avaient eu pour porte-parole des personnalités d’une telle médiocrité. Ainsi, les deux présidents des deux groupes parlementaires, Bruno Le Roux et Christian Jacob, un ectoplasme et un imbécile.
Comment peut-on défendre une pratique institutionnelle qui débouche sur une telle accumulation de dysfonctionnements et d’aberrations ? Comment peut-on s’accrocher, à l’exemple du pouvoir médiatique, à un système dont la réalité du pays a fini par s’éloigner jusqu’à un tel divorce ?
La France est le seul pays de l’Union européenne qui soit doté d’institutions semblables. Or, est-ce le pays qui se porte politiquement, psychologiquement, moralement le mieux ? Non, c’est un de ceux qui se portent le plus mal.

VERS L’ABÎME

La France, contrairement à ses partenaires, ne dispose d’aucun dispositif de sortie normale de crise, d’aucune forme de souplesse adaptative : un gouvernement conduit une politique absolument contraire à celle pour la conduite de laquelle sa majorité avait été élue (que cette politique soit bonne ou mauvaise est un autre débat). Or, il ne peut pas modifier les contours de cette majorité. Ce qui signifie :
  • soit qu’il n’a pas la majorité de sa politique ;
  • soit qu’il s’appuie sur une majorité parlementaire complètement coupée du pays réel ;
  • soit qu’il ne dispose plus de majorité du tout.
Bon système ? Qui permet de rassembler le pays autour d’un projet ?
Qui le croit ? Demain, il faudra engager le pays dans une passe difficile en ne s’appuyant que sur un socle de 15 % des électeurs et de 8 % des citoyens.
Qui ne perçoit vers quel abîme cela risque de nous entraîner ?
Or, en haut, justement parce qu’on se croit protégé par un système institutionnel devenu aussi baroque que déresponsabilisant, on feint de ne pas s’en soucier.
François Hollande, de plus en plus « ravi de la crèche », vient de faire une déclaration inouïe dans la bouche d’un président socialiste de la Ve République : « Je sens pointer la proximité d’un retournement économique », a-t-il annoncé. Autrement dit, toute forme de volontarisme s’est effacée devant l’attente un peu béate d’une évolution favorable de la conjoncture. On ne change plus les choses, on espère que les choses changeront.
« Quand je suis arrivé à l’Élysée, la France était en dépôt de bilan », vient d’admettre François Hollande. Terrible. A l’époque, il ne l’a pas dit. Il n’a pas placé le pays devant cette réalité. Il a cherché à l’endormir.

UN PS À RECONSTRUIRE

Et si le retournement attendu advenait en effet ? Une petite reprise, une légère baisse du chômage ? Cela arrivera, évidemment. On le souhaite. On s’en réjouira. Mais, hélas, cela ne changera pas grand-chose.
Rien au problème Hollande.
Rien à l’effarante inadéquation de notre système institutionnel. Rien à l’état délétère du Parti socialiste.
Autant de boulets dont le pays ne pourrait se libérer :
  • qu’en retirant l’essentiel du pouvoir exécutif effectif au président pour, dans son intérêt, le transformer en arbitre et en juge de paix ;
  • qu’en réformant radicalement, comme en 1958, un système institutionnel obsolète, usé jusqu’à la corde, ainsi qu’un système électoral qui déconnecte la représentation nationale des réalités du pays ;
  • en dissolvant, comme l’avait fait jadis François Mitterrand, un Parti socialiste décrépit pour reconstruire, sur ses ruines, une authentique force de mouvement et de progrès, moderne et élargie.
Est-on conscient de ce qui risque de se passer si tout reste en l’état ?
Non seulement un PS déliquescent se marginalisera électoralement, mais le Front national et l’UMP obtiendront des résultats très proches, autour de 23 %. Or, à partir de ce moment, l’effet de notre mode de scrutin électoral se retourne complètement. L’UMP se trouvera, alors, placée devant ce dilemme : soit refuser toute alliance avec le FN et perdre des élections contre une gauche pourtant à l’agonie ; soit (et c’est finalement ce qui se passera) conclure un accord, gagner les élections sur cette base et faire du parti national-lepéniste l’arbitre de la nouvelle majorité. Non seulement celui-ci disposera de plusieurs dizaines de sièges au Parlement mais, plus grave, la majorité des élus UMP seront placés sous sa pression, donc sous sa dépendance.
Bien sûr, cette redoutable échéance suscitera peut-être une réaction en forme de big bang.
  1. L’aile la plus républicaine de la droite, représentée par exemple par un Alain Juppé, reprendra ses billes et se rapprochera du centre-droit.
  2. Le PS, confronté à la fureur de son électorat, finira par éclater et son aile droite sociale-libérale, au nom de la nécessite de faire barrage au Front national, se rapprochera du centre-droit et de la droite modérée.
  3. Ce qui débouchera, à terme, sur une alliance au centre Juppé-Bayrou intégrant l’aile droite du PS et s’opposant à la fois à la droite dure et à la gauche dure.
Cela signifiera la fin de la Ve République. Tant mieux ! Ce sera préférable, évidemment, à la terrible perspective qui nous attend.
Ce n’est pas « au centre », c’est-à-dire « au milieu », que devraient se nouer les nécessaires convergences, mais « en avant ». Plutôt qu’un néocentrisme, une nouvelle alliance salvatrice telle que celle, dont le général de Gaulle fut l’âme, qui permit, en un temps beaucoup plus dur que celui d’aujourd’hui, à une France exsangue de bondir et de rebondir.

CE QUI EXIGE, RÉPÉTONS-LE :

  • qu’on règle le problème Hollande ;
  • qu’on réforme la Constitution de façon à se doter d’un système institutionnel enfin adéquat aux réalités d’aujourd’hui ;
  • que le PS, tel qu’il est devenu, se dissolve pour que la gauche ressuscite ;
  • que la droite républicaine et patriote se libère de ses démons.
Oui, c’est possible.
Jean-François Kahn
Marianne
N°890, du 9 au 15 mai 2014, pp. 10-12

lundi 12 mai 2014

'الثورة' في تونس متواصلة حتى آخر علبة بيرة

إطلاق إعلان مشروب 'بيرة' جديد يحمل اسم 'ستيلا ذهب' لمنافسة مشروب 'بربر' قد يتسبب في اندلاع حروب افتراضية على موقع فيسبوك بين المروجين.
تونس - حروب افتراضية طاحنة على موقع فيسبوك الموقع الاجتماعي الأول في تونس للترويج لأنواع جديدة من البيرة لما لها من مكانة في “قلوب” التونسيين وحياتهم.
يشبه نشطاء تونس بـ”علبة كرتون البيرة، لونها أحمر وأبيض، وتحتوي على 24 ولاية (محافظة)، وكل محافظة تدوخك أكثر من التي قبلها”.
وليس عبثا أن تعقد هذه المقارنة لو علمت أن تونس تحتل المرتبة الخامسة عالميا في استهلاك البيرة مقارنة بعدد السكان.
والتونسيون يستهلكون يوميا حوالي نصف مليون قارورة وعلبة جعة بأنواعها الخمسة المتوفرة في السوق وفي المطاعم والنزل والحانات، ليكون إجمالي الاستهلاك سنويا 200 مليون قارورة بيرة.
المفارقة أن ارتفاع استهلاك الجعّة والخمور في تونس بعد سنة 2011 (تاريخ ثورة 14 يناير التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي) (22 %) تزامن مع وصول أول حزب ديني للحكم حركة “النهضة” الإسلامية في انتخابات 23 أكتوبر 2011 التي لم تنجح في تغيير عادات التونسيين.
ولقي إعلان شركة التبريد ومعمل الجعة بتونس المعروفة محليا واختصارا بـ(SFBT)، إطلاق مشروب “بيرة” جديد يحمل اسم (ستيلا ذهب)، خلال الأيام القليلة المقبلة، لمنافسة مشروب جديد أطلق قبل أشهر قليلة ويحمل إسم (بربر)، جدلا وترحيبا على المواقع الاجتماعية لزهد ثمنه 950 مليما (0.7 دولار). ومن المتوقع أن تندلع حروب افتراضية على موقع فيسبوك، الموقع الاجتماعي الأول في تونس للترويج للبضاعة الجديدة.
وكانت اندلعت قبل شهرين تقريبا حرب طاحنة بين العملاق العالمي الهولندي “هاينيكن” الذي أنتج علامة بربر والشركة التونسية المحلية الخاصة للجعة والتبريد، التي تنتج بيرة محلية اسمها “سلتيا” وهو المنتج الوطني والحصري للبيرة في تونس منذ أكثر من نصف قرن.
حرب تجسدت في حملات دعائية مكثفة على فيسبوك وجدل وطني كبير، فبين متعصب للمنتج المحلي الذي يعد بمثابة الرمز الوطني الكبير، و”البيرة التاريخية” التي رافقت العديد من التونسيين في أفراحهم وأتراحهم، وبين مستبشر بالبيرة الجديدة وبقدرتها على تقديم الجودة والسعر المناسبين.
واختارت الشركة تسمية “بربر” لأنه المصطلح الشعبي الفكاهي الذي يطلقه التونسيون على البيرة.
ولم تكتف بذلك بل اعتمدت ألوانا تحيل على تونس بشكل أساسي وهي الأخضر والأحمر، وزينت العلبة برموز تاريخية تونسية كالسفينة القرطاجية وحرف ياز الأمازيغي. ويسخر تونسيون “تونس البلاد الوحيدة أين الحليب أغلى من البيرة!” ويطلق عليها بعضهم “جمهورية البربر والرجرج والبوخة (أسماء شعبية متداولة للبيرة)”.
 ويقترح بعضهم تغيير النجمة والهلال في العلم التونسي إلى “كعبة شراب يحيط بها مشموم ومرقاز (كباب تونسي) وكعبات كاكي وشوية حمص”.
ربما هو اقتراح غبي لو كان لأحدهم في الدول الغربية، لكنه اقتراح غاية في الجرأة لمن ينتمي إلى دولة أغلبية سكانها من المسلمين.
تجدر الإشارة إلى أن تونس تتحمل أيضا أعباء السوق الليبية. فرغم الطابع المحافظ للمجتمع الليبي قبل وبعد الثورة إلا أن الليبيين يشربون بنهم شديد عندما يزورون تونس. و قد تطورت تجارة طريفة على الحدود التونسية الليبية اصطلح على تسميتها بتجارة النفط مقابل الخمر.
 من جانب آخر، وضعت شركة التبريد ومعمل الجعة على ذمة حرفائها موقع واب لتسهيل عملية بيع البيرة “الو سلتيا”.
ويعتبر أول موقع تونسي متخصص في بيع المشروبات الكحولية عبر الشبكة العنكبوتية بالإضافة إلى أن هذا الموقع سيمكن التونسيين المغتربين في 6 دول أوروبية على غرار فرنسا وإيطاليا وبلجيكيا وألمانيا من شراء هذا المشروب الكحولي وخصوصا الأوفياء منهم للصناعة الوطنية.
 العرب  [نُشر في 12/05/2014، العدد: 9556، ص(19)]

jeudi 8 mai 2014

الصراع ينتقل من الشرق الأوسط إلى منطقة الباسفيك



أميركا ترغب في بناء قاعدة بجوار مصدر طاقة واعد في بحر قزوين تراهن عليه هي وحلفاؤها للتخلص من احتكار روسيا لمكان مصدر الطاقة الأهم لأوروبا.
لندن - ترصد عدة دراسات صدرت عن المعهد الملكي البريطاني “تشاتم هاوس"، التغييرات الطارئة على البنية الجيوسياسية في منطقة آسيا المحيط الهادئ وتداخل المصالح الدولية بها. حيث تعمل مختلف القوى على إعادة تحديد مكانتها في هذه البقعة التي تشكل امتدادا استراتيجيا لمنطقة الشرق الأوسط بالنسبة لواشنطن.
“القرن الـ21 سيكون للولايات المتحدة ومنطقة الباسيفيك”، خطة تحدثت عنها الكثير من الدراسات وكشفت عنها العديد من التقارير الاستخباراتية التابعة لمراكز البحث الاستراتيجية، واليوم تشير المتغيرات والتحرّكات الأميركية إلى أن هذه الخطّة دخلت طور التنفيذ على أرض الواقع.
وقد ربط بعض المحلّلين التوجّه الأميركي نحو منطقة آسيا بالتغيّرات الحاصلة في منطقة الشرق الأوسط، حيث النفوذ الأميركي الأوسع؛ إلا أن خبراء آخرون يرون عكس ذلك بل ويؤكّدون أن ما يجري من اضطرابات في الشرق الأوسط هي جزء من هذه الخطّة التي بدأت تتجسّد فعليا مع الغزو الأميركي لأفغانستان، وتدخل في إطار الحرب ضدّ الروس، الغريم التقليدي للأميركيين، والذي له سيطرة كبرى على مناطق كثيرة في منطقة وسط آسيا الغنية بالثروات. 
وترغب الولايات المتحدة في أن تبني قاعدة بجوار مصدر طاقة واعد في بحر قزوين تراهن عليه هي وحلفاؤها الأوروبيين للتخلص من احتكار روسيا لمكان مصدر الطاقة الأهم لأوروبا، من هنا لا تريد روسيا أن يستتب الأمر للأميركيين كما تريد أن تشعرهم أنها تحمل مفاتيح المنطقة وذات التأثير الأكبر بحكم 70 عاما من السيطرة ناهيك عن التأثير الثقافي لروسيا في هذه المناطق، حيث تنتشر اللغة والثقافة الروسية فيها لدرجة أنه من الممكن اعتبارها منافسا قويا للثقافة المحلية. 
لكن، إلى جانب الروس، برزت في السنوات الأخيرة قوى أخرى منافسة، ترى فيها الولايات المتّحدة الأميركية تهديدا لمصالحها، وأبرز هذه القوى الصين التي بدأت تنتزع الريادة الأميركية على مستوى التجارة العالمية. وقد كشفت العديد من الوثائق المسربة من مراكز الأمن القومي الأميركي أن مراكز القرار في واشنطن تعتبر الصين خصمها ومنافسها الأول في القرن الحادي والعشرين ويجب تطويقها لحماية المصالح الأميركية في منطقة آسيا وأيضا خارجها حيث بدأت الصين في التوسّع بشكل كبير، خاصة في أفريقيا.  
إن آسيا المحيط الهادئ مركز الثقل الجيوسياسي العالمي، وهي اتجاه التقدم بالنسبة إلى الصين، كما أنها المصدر الأساسي للتهديدات الخارجية. وهذه المنطقة تشهد الآن تغيرات هي الأعمق منذ الحرب العالمية الثانية. ولا شك بأن آسيا المحيط الهادئ ستصبح مركز الثقل الإستراتيجي العالمي بالنسبة إلى الصين. وفي ظل الفترة الانتقالية لتغيير البنية القديمة بالجديدة، فإن عوامل عدم اليقين والمرونة تبقى متواجدة جنبا إلى جنب.
آسيا المحيط الهادئ هي ساحة الحرب الجيوسياسية الرئيسية التي تعول عليها واشنطن في خنق واحتواء الصين. لذلك، فإن واشنطن الآن تسعى وبكل قواها إلى خلق وضع جيوسياسي لحرب باردة جديدة. وإلى جانب تعزيز تحالفاتها العسكرية القديمة، أظهرت هذه الجهود الأميركية خصائص جديدة.
أولا، العمل على تكوين جبهة موحدة ضد الصين، ويتجسد ذلك من خلال تعزيز علاقاتها الاقتصادية والسياسية وخاصة العسكرية مع فيتنام، وتحسين شامل لعلاقاتها مع مينمار، وكسر الجليد الذي ظل بينها وبين لاوس لزمن طويل.
ثانيا، تكوين بنية إستراتيجية على شكل شبكة عنكبوتية يكون مركزها أميركا.
ثالثا، تعزيز انتشارها العسكري وتدعيم عمقها الإستراتيجي. مثلا، تحفيز اليابان على تطوير قدراتها العسكرية، ونشر سفن حربية بسنغافورة، والعودة إلى القاعدة العسكرية لبحر سوبيكهاي بالفلبين. وتعزيز انتشارها على حدود شرق آسيا.
رابعا، ممارسة التمايز الاقتصادي، عبر الدعوة إلى شراكة استراتيجية عابرة للمحيط الهادئ (TPP) تقصى منها الصين.
قرن المحيط الهادئ
كانت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلنتون أول من قالت: “مثلما كان القرن العشرون هو قرن المحيط الأطلسي، فإن القرن الحادي والعشرين هو قرن المحيط الهادئ، بالنسبة إلى الولايات المتحدة”، وذلك سنة 2011، وقد صاحب ذلك تحول استراتيجي أميركي واضح باتجاه آسيا والشرق الأدنى من خلال شراكات أميركية آسيوية جديدة، الأمر الذي أثار العديد من علامات الاستفهام حول النتائج المترتبة على هذا التحول الاستراتيجي، وتأثير ذلك على منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي.
الدراسة الصادرة عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية، “تشاتم هاوس"، سلّطت الضوء على هذه الاستفهامات وبحثت عن الإجابات من خلال التغييرات التي يشهدها العالم اليوم، لاسيما منطقة الشرق الأوسط وأوكرانيا وكثير من الدول المنفصلة عن الاتحاد السوفياتي.
لا تنكر الدراسة أن دور الولايات المتحدة في العالم يشهد تغيرا، ويرجع ذلك في جزء منه إلى عوامل داخلية مثل تنامي القيود الاقتصادية والرغبة في بناء البلد داخليا وملل عامة الناس من الحرب. لكن ربما السبب الأعمق يتمثل في التغيرات التي طرأت على السياق الدولي الأشمل وأنواع التحديات الخارجية التي تواجه البلد. 
إن نطاق الآليات في وضع السياسات المطلوبة للرد على تهديدات إقليمية وعالمية تزداد تعقيدا ما انفك هو الآخر يتنوع. وفي الوقت نفسه، وفي تضاد مع رؤية صعود الاقتصاديات البارزة الجديدة (مثل الصين والهند والبرازيل)، يُنظر إلى الولايات المتحدة – في كثير من أنحاء العالم بما في ذلك آسيا – على أن قوتها وأداؤها في تقهقر.
لقد حافظت الولايات المتحدة لمدة طويلة على زعامتها في منطقة آسيا الباسفيك، وأوضح الرئيس أوباما أن الولايات المتحدة تنوي بكل إصرار مواصلة دورها القيادي في هذا الطرف من العالم بإعلانه في شهر نوفمبر 2011 عن “تحول” سياستها الخارجية إلى التركيز على آسيا. لكن يبقى من غير الواضح كيفية نظر حلفاء أميركا في منطقة آسيا الباسفيك لتغير مصالحهم الأمنية، وبناء على ذلك، كيف يرون مكان أميركا في هذا الاطار الأّمني الجديد. يتحتم الآن أن نفهم جيّدا طلب الأمن (من قبل آسيا) والعرض (من قبل الولايات المتحدة) من أجل تحقيق وضع راهن جديد يلبي حاجيات كل الأطراف المعنية . 
 بحر قزوين.. تنافس دولي في وسط آسيا
تعد منطقة بحر قزوين، أحد أغنى مناطق العالم بالنفط، وهي أساس الصراع بين الــقوى الكبرى لــفرض السيطرة علــى منــطقة الباسفيــك.
وبحر قزوين هو بحر مغلق يقع في غرب آسيا على مساحة تبلغ 371 ألف كيلو متر مربع وهو أكبر بحر مغلق في العالم.
يبلغ طول بحر قزوين 1.200 كيلو متر بعرض يصل إلى 300 كيلو متر، ويبلغ أقصى عمق لبحر قزوين 1023 مترا، وتطل على بحر قزوين خمس دول هي روسيا وإيران وأذربيجان وتركمانستان وكازاخستان.
في سنة 2012 نشرت “تشاتم هاوس" تقريرا يحمل عنوان “هل مستعدون للتهديدات المستقبلية؟ الشراكات الدفاعية الأميركية في منطقة آسيا الباسفيك”. تناول هذا التقرير مسألة ما إذا كان للولايات المتحدة العلاقات الضرورية في المنطقة للتعامل مع التحديات المستقبلية.
أما هذه الدراسة التي صدرت في شهر أبريل 2014، فتهتم بستة حلفاء أو شركاء للولايات المتحدة الأميركية في آسيا (أستراليا والهند وأندونيسيا واليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية) وتتساءل عن نظرة الحلفاء لمصالحهم الأمنية والتهديدات القادمة وبالتالي كيفية معالجتها عبر قدرات وطنية ومجموعات إقليمية أو متعددة الأطراف، وعن الدور الذي يقترحه ذلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
وتتلخص أهم النتائج التي توصّل إليها معدو الدراسة في ما يلي:
◄ البلدان الآسيوية الستة المتناولة في هذا التقرير لديها تقييم متشابه عموما لنطاق التهديدات المتوقعة لأمنها. وتشمل هذه التهديدات تلك التقليدية منها (الصراع مع الصين، انهيار كوريا الشمالية أو قيامها بهجوم، الإرهاب وأعمال التمرد) وتلك غير التقليدية (محدودية الموارد الطبيعية مثل الغذاء والماء والنفط والغاز، الهجومات على شبكة الإنترنت أو على الأقمار الصناعية العسكرية والاتصالية والأخطار الاقتصادية). مع ذلك هناك اختلافات واضحة بين هذه البلدان فيما يخص حجم هذه التهديدات وطبيعتها وكيفية ترتيبها من حيث الأولوية في كل بلد على حدة.
◄ المؤسسات الآسيوية الحالية (جمعية أمم آسيا الجنوبية الشرقية، قمة شرق آسيا، التعاون الاقتصادي بآسيا الباسفيك وغيرها) تم تصميمها بالأساس كمواقع للتحاور، وفي الغالب لا يُظهر الأعضاء الآسيويون فيها أية رغبة في منظمات أكثر نشاطا أو متجهة نحو العمل. في الواقع يتبنى الزعماء الآسيويون بشدة الأدوار والوظائف المحدودة الحالية لهذه الكيانات، أما الدول الغربية فكثيرا ما تعبر عن الأمل في نتائج ملموسة أكثر.
◄ النظرة لدور واشنطن في العالم تتغير سواء في داخل البلاد أو خارجها. وبالرغم من إعلان أوباما عن تحول سياسته الاستراتيجية نحو التركيز على آسيا، تتناقص ثقة أصدقاء أميركا وحلفاؤها في الموقع الذي ستشغله في المنطقة إذ أن الكثير من الحلفاء والشركاء الإقليميين ينظرون إليها على أنها أصبحت شريكا لا يعتمد عليه كثيرا (بالرغم من أنه مازال يعول عليه أكثر بكثير من شركاء آخرين مثل الصين). 
ن كل شريك من شركاء الولايات المتحدة يرغب في رؤية دور مختلف وقليل لها في المنطقة ومن ثم لا يوجد موقف مجمع عليه بينهم حول هذه النقطة بالذات.
التحالفات بين دول الباسفيك
دول آسيا الباسفيك هي بصدد بناء تحالفاتها وشراكاتها غير الرسمية مع بعضها البعض ومع دول أخرى. ومن المتوقع أن يصمد عدد وعمق هذه العلاقات غير الرسمية وستلعب دورا مهما في الحفاظ على الاستقرار بالمنطقة.
عندما تكون هذه العلاقات بين بلدان لها مصالح متشابهة (كما هو الشأن بين الولايات المتحدة واليابان والهند) يمكن أن تصبح هذه المجموعات متعددة الأطراف في النهاية المحفز لتجمعات أكثر رسمية مركزة على مسائل معينة (مثل مكافحة القرصنة والإرهاب).
أما عندما تربط هذه العلاقات دولا أقل تناغما (كما هو الحال بين الصين واليابان وكوريا الجنوبية)، فهي مجموعات مفيدة لمناقشة مسائل حساسة وبناء الثقة. وبالرغم من أن انتشار التحالفات الرسمية التي لا تكاد تملك أية سلطة عملياتية أصبح عرضة للكثير من الانتقاد في الغرب تكوّن هذه التحالفات شبكة متوسعة لها دور مهم في حفظ السلام بالمنطقة. فبقيامها بوظيفتها التقليدية كمساحة حوار لمناقشة المسائل الحساسة تخلق “أسفنجة” لامتصاص وربما إدارة التوترات الاقليمية. إضافة إلى كل ذلك وفي ظل زيادة بروز التهديدات الطبيعية (نظرا لطبيعتها المتميزة بخلوها من الحساسية) يمكن أن تجد هذه المجموعات دورا أكثر حيوية في معالجة التحديات الناجمة.
الخلافات في المنطقة معقدة جدا، والفرص والتحديات توجد جنبا إلى جنب وآسيا المحيط الهادئ ليست المنطقة الوحيدة التي تضعها أميركا على رأس سلم أولوياتها الإستراتيجية. بل إن الأوضاع في أوروبا والشرق الأوسط، وآسيا، لا يمكن الاستغناء عن واحدة منها بالنسبة إلى الولايات المتحدة. 
لذلك تخلص الدراسة إلى أن الولايات المتحدة ستواصل لعب دور محوري في المنطقة لفترة زمنية أخرى لكن ليس في موقع الفاعل الأساسي على الدوام فهي ستسعى -في آسيا كما في بقية أنحاء العالم- إلى تقاسم عبء القيادة. وفي السنوات الخمس عشرة القادمة قد يكون على الآسيويين التعود على وضعية توصل الأوروبيين إلى اتفاق حولها منذ زمن وجيز، تتمثل في ولايات متحدة تعتبر فاعلا إقليميا مهمّا، لكنه ليس دائما ميناء النجدة الأول أو الأساسي لضمان الأمن.
العرب  [نُشر في 08/05/2014، العدد: 9552، ص(6)]